محمد جمال الدين القاسمي

223

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الذي مسكنه الدماغ . وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها . وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده . ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء الأطباء وضعف عقولهم . وعلاج هذا النوع يكون بأمرين : أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج . فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وباريها . والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان . فإن هذا نوع محاربة . والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين : أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا ، وأن يكون الساعد قويا . فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل . فكيف إذا عدم الأمران جميعا ، بكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ، ولا سلاح له . والثاني من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا . حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله : اخرج منه . أو بقول : بسم اللّه . أو يقول : لا حول ولا قوة إلا باللّه . والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كان يقول : اخرج عدوّ اللّه ! أنا رسول اللّه . وشاهدت شيخنا ( يعني الإمام ابن تيمية رضي اللّه عنه ) يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول : قال لك الشيخ أخرجي . فإن هذا لا يحل لك . فيفيق المصروع . وربما خاطبها بنفسه . وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب . فيفيق المصروع . ولا يحس بألم . وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا . وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 155 ] . وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع فقالت الروح : نعم . ومدّ بها صوته . قال : فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى مجلت يداي من الضرب . ولم يشكّ الحاضرون بأنه يموت لذلك الضرب . ففي أثناء الضرب قالت : أنا أحبّه . فقلت لها : هو لا يحبك . قالت : أنا أريد أن أحج به . فقلت لها : هو لا يريد أن يحج معك . فقالت : أنا أدعه كرامة لك . قال قلت : لا . ولكن طاعة للّه ولرسوله . قالت : فأنا أخرج منه . قال : فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا . وقال : ما جاء بي إلى حضرة الشيخ ؟ قالوا له : وهذا الضرب كله ؟ فقال وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب ؟ ولم يشعر بأنه وقع ضرب البتة . وكان يعالج بآية الكرسيّ . وكان يأمر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها . وبقراءة المعوذتين . وبالجملة ، فهذا النوع من الصرع . وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة . وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله يكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم ، من حقائق